أبي الفرج الأصفهاني

262

الأغاني

فعلتم مثل ما فعلوا . فمن شهدها منهم ؟ قالوا : بنو عمرو بن عامر وبنو عوف بن عامر . قال : ذانك الجذعان [ 1 ] من عامر لا ينفعان ولا يضرّان . ثم قال : يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة [ 2 ] بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا . ارفعهم إلى أعلى [ 3 ] بلادهم وعلياء قومهم ثم الق القوم بالرجال على متون الخيل ، فإن كانت لك لحق بك من وراءك ، وإن كانت عليك كنت قد أحرزت أهلك ومالك ولم تفضح في حريمك . قال : لا واللَّه ما أفعل ذلك أبدا ! إنك قد خرفت وخرف رأيك وعلمك . واللَّه لتطيعنّني يا معشر هوازن أو لأتكئنّ على هذا السيف حتى يخرج من وراء ظهري - فنفس على دريد أن يكون له في ذلك اليوم ذكر ورأي - فقالوا له : أطعناك وخالفنا دريدا . فقال دريد : هذا يوم لم أشهده ولم أغب عنه . ثم قال : يا ليتني فيها جذع أخبّ فيها وأضع أقود وطفاء الزّمع كأنّها شاة صدع قال : فلما لقيهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم انهزم المشركون فأتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف ، وعسكر بعضهم بأوطاس وتوجّه بعضهم نحو نخلة [ 4 ] ، وتبعت خيل / رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من سلك نخلة ، فأدرك ربيعة بن رفيع السّلميّ أحد بني يربوع بن سمّال [ 5 ] بن عوف دريد بن الصّمّة فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه [ 6 ] امرأة ، وذلك أنه كان في شجار له ، فأناخ به فإذا هو برجل شيخ كبير ولم يعرفه الغلام . فقال له دريد : ماذا تريد ؟ قال : أقتلك . قال : ومن أنت ؟ قال : أنا ربيعة بن رفيع السّلميّ . فأنشأ دريد يقول : ويح ابن أكمة [ 7 ] ماذا يريد من المرعش الذّاهب الأدرد فأقسم لو أنّ بي قوّة لولَّت فرائصه ترعد ويا لهف نفسي ألَّا تكون معي قوّة الشارخ [ 8 ] الأمرد / ثم ضربه السّلميّ بسيفه فلم يغن شيئا . فقال له : بئس ما سلَّحتك أمّك ! خذ سيفي هذا من مؤخّر رحلي في القراب فاضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدّماغ ، فإنّي كذلك كنت أفعل بالرجال ، ثم إذا أتيت أمّك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصّمّة ، فربّ يوم قد منعت فيه نساءك ! . فزعمت بنو سليم أن ربيعة قال : لمّا ضربته بالسيف سقط فانكشف ، فإذا عجانه [ 9 ] وبطن فخذيه مثل القراطيس من ركوب الخيل أعراء [ 10 ] . فلمّا رجع ربيعة

--> [ 1 ] الجذع : الشاب الحدث . [ 2 ] بيضة القوم : أصلهم ومجتمعهم . [ 3 ] في السيرة : « متمنع بلادهم » . [ 4 ] نخلة : المراد هنا نخلة اليمانية ، وهي واد يصب فيه يدعان ( اسم واد ) وبه مسجد لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وبه عسكرت هوازن يوم حنين ( « معجم البلدان » لياقوت ) . [ 5 ] في الأصول : « سماك » والتصويب من « السيرة لابن هشام » و « القاموس » . [ 6 ] كذا في السيرة . وفي الأصول : « أنها » . [ 7 ] كذا في الأصول . وفي « مختصر الأغاني » : « تكمة » . وقد جاء في « سيرة ابن هشام » ( ج 2 ص 852 ) أن ربيعة بن رفيع هذا يقال له ابن الدغنة وهي أمه فغلبت على اسمه ، ويقال : ابن لذعة . [ 8 ] كذا في « مختصر الأغاني » . وفي سائر الأصول : « الشامخ » والشارخ : الشاب . [ 9 ] العجان : الدبر ، وقيل هو ما بين الدبر والقبل . [ 10 ] فرس عري : غير مسرج ، وصف بالمصدر ، ثم جعل اسما فجمع فقيل خيل أعراء . ولا يقال فرس عريان كما لا يقال رجل عري .